د.مولاي منير القادري بودشيش: الزاوية أخذت التسمية من تقديم الطعام ولسنا سندا للسلطة

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 17 نوفمبر 2020 - 1:16 مساءً

يكشف الدكتور منير البودشيشي خلفيات واسباب وتسمية الزاوية البودشيشية بهذا الاسم  ويضيف  لمكروفون أصداء المغرب العربي الدور الصوفي والثقافي لهذه المؤسسة الدينية مسبعدا أن يكون لها علاقة بدوائر السلطة والغوص في السياسة العامة وفيما يلي نص الحوار:

  • الدكتور مولاي منير القادري بودشيش -رئيس المركز الأورو متوسطي لدراسة إسلام اليوم CEMEIA بباريس فرنسا-مدير مؤسسة الملتقى-استاذ المالية الإسلامية بجامعة دوفين بفرنسا– عضو مجلس العلماء المغاربة بأوروبا– رئيس sharia board في المركز المستقل للمالية الإسلامية بأوروبا-مدير الملتقى العالمي للتصوف-مدير القرية التضامنية مؤتمر سنوي يعنى بالاقتصاد الاجتماعي و التضامني
  • إطار السياق التاريخي، تعريفاً عاما لمعنى الزاوية، هل هي نادي ديني أم ماذا تحديدا؟

الزاوية مؤسسة دينية وعلمية واجتماعية تبلورت أنشطتها وتطورت وظائفها داخل البلاد الإسلامية بصفة عامة والمجتمع المغربي بصفة خاصة. والزاوية عبر التاريخ هي مكان معد للعبادة ومرابطة المجاهدين وطلبة العلم وإيواء المحتاجين وعابري السبيل

وكانت تسمى قبل ذلك بالرباطات جمع رباط، وكانت وظيفتها الأولى والأساسية هي الدفاع عن بلاد الإسلام والجهاد ضد الأعداء. ومن بين هاته الرباطات نذكر: رباط النكور، رباط سلا، رباط تيط أنفطر أي عين الفطر، رباط شاكر، رباط أغمات، رباط نفيس فالزاوية إذن عبارة عن مؤسسة دينية علمية تربوية اتسع نطاقها ليشمل أدوارا اجتماعية واسعة نشير إلى بعضها

• نشر الإسلام وبث تعاليمه، تنظيم الجهاد ضد الغزو الأجنبي، تنظيم السفر إلى الحج، تحفيظ القرآن الكريم، بناء المدارس العلمية، إنشاء الخزانات والمكتبات، توفير الإيواء لعابري السبيل، إطعام المحتاجين ولاسيما في أوقات القحط والمجاعات، تأمين الطرق والتحكيم في النزاعات،عمارة الأرض من خلال الزراعة وتأمين التجارة ورعاية الحرف والمهن، ولقد التزمت الزوايا عبر التاريخ بمبدأ الطاعة للسلطة الشرعية التي حازت الإجماع على بيعتها، ولزوم جماعة المسلمين على مستوى بيعة الإمام، والسعي إلى البحث عن أسباب الاستقرار والأمن للأمة

مع الإشارة في إطار علاقة الزوايا بالسلطة الحاكمة إلى بعض القراءات المغلوطة التي تنطلق من انتقاء نماذج معينة معتمدة على منهج الاستقراء الناقص للتاريخ، والذي يقود إلى أحكام خاطئة. وقد ركزت هذه القراءات على بعض مظاهر الصراع الذي كان وليد ظروف تاريخية معينة).مقتطف من الكلمة التقديمية للشيخ العارف بالله الدكتور مولاي جمال الدين القادري بودشيش أثناء مناقشة أطروحة الدكتوراه “مؤسسة الزاوية في المغرب بين الأصالة والمعاصرة”.

إذا رجعنا إلى تاريخ نشأة الزاوية وظهورها يصعب علينا تحديد تاريخ معين ومضبوط يؤرخ زمن ظهورها لأن وظائفها وأدوارها كانت تمارس قبل تحديد الأمكنة وتخصيصها بعينها. والملاحظ أن المؤرخين لم يكونوا يميزون في الاستعمال بين الرباط والزاوية، فقد يطلقان المصطلحان على نفس المكان. إن إطلاق الرباط على الزاوية والعكس قد تم في القرن الثالث عشر للميلاد وذلك اعتبارا لتداخل الوظائف، فيحدد الإطلاق بتغليب أحدهما على الآخر”.

انظر: مؤسسة الزاوية في المغرب بين الأصالة والمعاصرة، ج.1، ص.260. (بتصرف)

  • هل يمكن ان نتحدث عن اتحاد فدرالي، او تنسيقي بين عمل الزوايا في المغرب؟

لما لا يكون تجمع للطرق الصوفية في المغرب لأنهم كلهم من رسول الله ملتمس وتعاونهم واتحادهم في إطار مجلس للتصوف أصبح اليوم ضروريا. ومن شأن هذا التكتل أن يجعلنا نكمل بعضنا البعض حتى نساهم كزوايا وتصوف مع الفاعلين الآخرين في الحقل الديني تحت إمارة المؤمنين في خدمة ثوابت البلاد والإسلام المعتدل المبني على الوسطية والاحترام والمحبة و السلم و السلام. إن التصوف يساهم في إصلاح المجتمع عن طريق إصلاح الفرد لأنه لا يصلح المجتمع بدون صلاح الفرد وذلك من خلال تطهير قلبه وتزكية نفسه وزرع القيم الأخلاقية من صدق وإخلاص واحترام للآخرين و وطنيةإيجابية و فاعلة. إن الطرق الصوفية تلعب دوراً محورياً في صناعة الرجال و من شأنها أن تساهم بشكل فعال في المشروع التنموي الجديد الذي أعطى انطلاقته صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله لأن هذا البعد الأخلاقي هو ضرورة ملحة في نجاح كل المشاريع لأنه يهتم بالإنسان الذي يعد قطب الرحى لكل مشروع تنموي. و هذه القيم يحتاج إليها الإنسان في كل المجلات سواء في المجال الاقتصادي و الاجتماعي و الرياضي لأن لا تنمية بدون أخلاق و لا أخلاق بدون تربية روحية أخلاقية يساهم فيها التصوف و الزوايا في المغرب و هذا هو الاستثناء و مظهر من مظاهر الخصوصية المغربية.

  • ما حقيقة ولادة البودشيشية في الأصل بالجزائر، وهل الزاوية في الأصل خرجت الى الوجود من للا مغنية (تلمسان) أم ما هي حقيقة بلد المنشأ في أصله وفصله؟

هذا السؤال له علاقة بما كتبه الأستاذ برحاب عكاشة الذي نشر في أول الأمر مقالا حول الزاوية القادرية البودشيشية في الصحافة الوطنية (جريدة الاتحاد الاشتراكي)، واعتبره مختصرا ومبسطا إلى أقصى حد، ثم نُشر في مجلة أمل عدد مزدوج 19-20 سنة 2000، ص.129، تحت عنوان “الطريقة البودشيشية العليوية :أصول مغربية أم جزائرية؟”  واعتبره مبتورا مع تكرار بعض الصفحات ليعيد نشره في كتاب سنة 2004 منقحا -كما يقول- تحت عنوان: “الزاوية البوتشيشية، دراسة معززة بالوثائق”.

ومن خلال كتابات الأستاذ برحاب عكاشة فإنه يؤكد ويركز على السند العليوي للطريقة نسبة إلى الشيخ سيدي مصطفى بن عليوة المستغانمي بالجزائر، معتمدا في ذلك -حسب قوله- على بعض وثائق الأرشيف الفرنسي.

ولقد تم دحض هذه المغالطة من خلال دراسة تاريخية نقدية وثائقية بعنوان “مغالطات حول السند الصوفي للطريقة القادرية البودشيشية”، منشورة على الويب بالموقع الرسمي للطريقة. كما نشرت مؤخرا (2019) ضمن إصدار بعنوان “اقتفاء أثر قدوة” أعمال مهداة للأستاذ علال الخديمي.

ومن المعلوم أن الطريقة البودشيشية طريقة قادرية، وبالتالي فباعتبارها فرعا يتفرع عن السند الصوفي النبوي، فإن تسميتها الأولى التي تميزت بها ترجع إلى الشيخ مولاي عبد القادر الجيلاني، أي أن هذه التسمية الأولى يرجع تاريخها إلى القرن الخامس الهجري. أما بالتسمية الثانية والتي هي البودشيشية، فظهرت بعد أن انتقلت فروع القادرية إلى المغرب، وقد ظهرت التسمية بالضبط مع الشيخ سيدي علي بن محمد، دفين منطقة تاغجيرت بجبال بني يزناسن نواحي مدينة أحفيرالمغربية، وهو أحد أجداد الشيخ سيدي جمال الدين حفظه الله، الشيخ الحالي للطريقة. وقد لقب هذا الجد بهذا اللقب “بودشيشة” نسبة إلى طعام الدشيشة أو التشيشة، وهو ما يعرف في مناطق أخرى بالبلبولة.وذلك أنه زار أحد الصالحين برفقة جماعة من بني يزناسن، ويدعى سيدي بوعلي من أولاد بن عزة، فلما دخلوا عند ذلك الولي وكان يخدمهم بنفسه يوم العيد، قدم إليهم في أول الأمر الدشيشة، وهو دقيق الشعير المطبوخ بكيفية خاصة، فاستنكفوا عن أكلها، وبقي الشريف القادري يأكل والآخرون يحاولون منعه بالإشارة والتلميح دون أن يعبأ بهم إلى أن شبع. فلما حضر طعام العيد، وتناولت الجماعة وأرادوا الانصراف خرج لتوديعهم فطلبوا منه الدعاء لهم، فأجابهم على الفور: “البركة أخذها بودشيشة” مشيرا إليه.

وهناك تعليل آخر مفاده أن مجاعة اجتاحت المنطقة في منتصف القرن التاسع عشر وأهلكت الضرع والزرع، وكانت الزاوية تطعم خلالها كل من آوى إليها بطعام الدشيشة.

  • الطريقة البودشيشية تجر عمراً يقدر بـ 9 قرون، وما يزال نشاطها في الغالب تقليديا، ألا يُطرح عندكم تحديث الزاوية وتجديد منظور عملها بمايناسب مجرى الزمن والعصر؟

ومن جهة ثانية، فالطريقة القادرية البودشيشية هي طريقة صوفية ومدرسة تربوية روحية، وليست تنظيما سياسيا ولا حركة نقابية، فلا وسائلها ولا أهدافها لها طابع سياسي، كما أنها تختار وسائلها من جنس أهدافها. لذلك لا يمكن منهجيا وصم الطريقة بالجمود والخمول. ومن هذا المنطلق تحدد الطريقة شكل عملها ومشاركتها في الحياة العامة وفي إحداث التغيير الاجتماعي الإيجابي مباشرة أو بطريقة غير مباشرة على عدة مستويات مستعينة في ذلك بالوسائل العصرية والأساليب الوقتية.

  • بكم يُقدّر عدد مريدي الطريقة البودشيشية سواء في المغرب أو خارجه، وما مدى إشعاع الزاوية بأفريقيا؟

عرفت الطريقة القادرية البودشيشية اكتساحا في شتى أقطار المعمور. ففي أوروبا، تنتشر في فرنسا و بلجيكاو هولندا و إيطاليا و انجلترا و اسبانيا و بدأت تعرف انتشارا كذلك في البلدان الاسكندنافية. أما آسيا فتعرف تواجد مريدين خصوصا في أند ونيسا و ماليزياو حتى في اليابان. كما يوجد مريدون للطريقة في القارة الأمريكية خصوصاً في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا بالإضافة إلى المكسيك. و هناك أتباع كذلك في إفريقيا خصوصا دول الساحل من النيجر و مالي و الكوديفوار و السنيغال و نيجريا و حتى في جنوب افريقيا. و يجتمع المريدون أين ما كانوا حول ثوابت إمارة المؤمنين و الفقه المالكي و العقيدة الأشعرية و التصوف السني السلوكي الأخلاقي المبني على المحبة و الاعتدال و الوسطية.

  • كم عدد الأوروبيين ضمن مريدي الزاوية، وكيف يفهمون ويتجاوبون مع حلقات الذكر والأجواء الروحانية رغم عائق اللغة؟

المريدون الأوروبيون يعدون بالآلاف و اللغة لا تعد عائقا بالنسبة لهم  لأن اللغة التي تهم هي لغة القلوب  يقول صلى الله عليه و سلم  أينما وجدت قلبك فخيم. فقد أحس هؤلاء الأوروبيون بالدفئ و المحبة و التراحم و الرحمة و عدم الإقصاء و الإحترام بعد أن كانوا يعيشون في ما قبل فراغا روحيا في بلدانهم. فصاروا يحسون بأمن داخلي و بسعادة ، فلا تبقى اللغة حاجزا لانهم يشعرون بالدفئ الروحي. لذلك سنة بعد سنة يتوافدون بأعداد مهمة  ليلمسوا عن كتب ما تحمله الطريقة القادرية البودشيشية من المعاني السامية التي يعكسها التصوف الذي يعد مقام الإحسان الذي يجسد الإسلام الحقيقي، إسلام الرحمة و الأخلاق و المحبة و الأمن و الأمان و السلم و السلام. هذا الإسلام يتنافى مع ما يراه الإنسان العربي في الإعلام وسلوكات بعض المسلمين  في أوروبا من صورة مشوهة تعكس العنف و الإقصاء و التطرف و الإسلام منها براء. إن البعد الروحي للإسلام المغربي يفند كل الإدعاءات و يبين أن الإسلام الحقيقي هو إسلام الرحمة و الخير و و إسلام الصفاء  و التصوف و المعاملة و الوسطية و الإعتدال ، و هذا ما تعكسه الطريقة القادرية البودشيشية و ما تلقنه من تعاليم إسلامية بعيدة عن الفلكلور و البدع لأن أصلها الكتاب و السنة و كل ما  يخالفهما فهي منه براء و بعيدة عنه. فصحبة الشيخ هدفها هذه التزكية النفسية و طهارة القلب بإعتباره الشيخ المربي دال على الله.

  • في الطريقة البودشيشية طرق يتبعها أي مريد يطمع لقيادة الزاوية وليصبح شيخاً، هل تولي المشيخة يكون وفق شروط المكابدة والمجاهدة أم أن مرتبة الشيخ  تكون بالوراثة؟

بالنسبة لهذا السؤال، يجب أولا تصويب الشق الأول منه وتصحيحه، لأنه ليس في الطريقة طرق يتبعها أي مريد يطمع لقيادة الزاوية وليصبح شيخا.

المريد يسلك طريق التصوف ليطهر قلبه من القاذورات و الأمراض و يزكي نفسه حتى يكون لها ترق روحي من النفس الأمارة بالسوء إلى النفس اللوامة ثم إلى النفس المطمئنة الراضية المرضية. فمن عرف نفسه عرف ربه ، و عرف شوائبها و جاهدها لأن مجاهدتها هو الجهاد الأكبر ، و كما يقول ابن عطاء السكندري إذا حلت الهداية قلبا نشطت للعبادة الأعضاء. و هذا ما يهدف إليه التصوف في الطريقة من خلال تلقين مكارم الأخلاق التي بعث من أجلها نبينا محمد صلى الله عليه و سلم و التي أكدها في حديثه الشريف ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”رواه أحمد. و تسعى التربية الصوفية إلى تغدية البعد الإيماني الإحساني لذى المسلم  ليتحقق  بمقام المراقبة و طمأنينة القلب من خلال الذكر  “ألا بذكر الله تطمئن القلوب” (سورة الرعد الآية 28)و قراءة القرآن الذي فيه شفاء لجميع الأسقام خصوصا الباطنية من حسد و كراهية و عدوانية. و يصير بذلك يعيش السلام الباطني ليقتسمه مع محيطه فينتقل من السلام الباطني إلى السلام الظاهري مع جميع المخلوقات و بذلك يعيش الرحمة و يتقاسمها مع جميع المخلوقات ، و يكون المسلم بذلك سفيرا للقيم الأخلاقية و الإنسانية و يعيش السلم و السلام مع نفسه و مع محيطه و عائلته و يعكس هذا الخلق الذي أتى من أجله النبي صلى الله عليه و سلم. و من خلال هذه الأخلاق يمكننا أن نساهم جميعا في بناء مجتمع السلم و السلام و الإحترام لجميع المخلوقات  كيفما كانت إنتماءاتهم و دياناتهم لانه لا إكراه في الدين ، مصدقاً لقوله تعالى : “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعضةالحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن” (سورة النحل الآية 125). فلهذا لابد لنا كمسلمين أن نعزز هذا البعد الروحي و نسعى إلى تزكية النفس و طهارة القلب بذكر الله و بصحبة الأخيار لنعكس حقيقة الإسلام. و هنيئا للمغرب بلد التصوف لأنه يقال إذا كان المشرق بلد الأنبياء فالمغرب بلد الأولياء و الصالحين ، و هذا ما يتميز به الإسلام المغربي، إسلام الإعتدال و التصوف و الصفاء و المحبة و الأخلاق المحمدية.

  • كيف يتم تدبير إيواء وإطعام آلاف الزوار خلال ليلة القدر، أو في ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم؟

الطريق ليس لها موارد خارجية بل تعتمد على مساهمات مريديها الذين يعتبرون أبناءها . وهذا جاري به العمل في أي مؤسسة سواء كانت سياسية أو جمعوية. فتمويل مصاريف المناسبات الكبرى كعيد المولد النبوي أو ليلة القدر يعتمد على الموارد الذاتية للزاوية وتبرعات المريدين وذلك داخل في إطار البعد السلوكي التربوي للمريد من خلال حثه على الصدقة والإطعام و البدل والعطاء في سبيل الله.

رابط مختصر